4.5 الوجه التاسع: هل القراءات التي يُقرأ بها في الأمصار جميع...


يقولُ العلامةُ ابنُ الجَزريِّ -رحمه الله تعالى- مُبيِّنًا الوجه التَّاسع من أوجه الاختلاف:
"وأمَّا هل القراءاتُ التي يُقرأ بها اليومَ، في الأمصار، جميعُ الأحرف السَّبعة، أم بعضُها؟ فإنَّ هذه المسألة تبتني على الفصل المتقدِّم. فإنَّ مِن عنده: أنَّه لا يجوزُ للأمة تركُ شيءٍ من الأحرف السَّبعة، يَدَّعي أنَّها مستمرةُ النَّقل بالتَّواتر إلى اليوم، وإلا تكونُ الأمَّةُ جميعُها عصاةً مخطئين في ترك ما تركوا منه، كيف وهم معصومون من ذلك؟
ثم قال -رحمه الله-: وأنت ترى ما في هذا القول، فإنَّ القراءاتِ المشهورةَ اليوم عن السبعة والعشرة والثّلاثة عشرةَ، بالنِّسبة إلى ما كان مشهورًا في الأعصار الأُوَل، قُلٌّ من كُثْر، ونَزر من بحر. فإنَّ من له اطِّلاعٌ على ذلك، يَعرف علمه العلم اليقين، وذلك أنَّ القراء الَّذين أخذوا عن أولئك الأئمَّة المتقدِّمين من السَّبعة وغيرِهِم، كانوا أُمَمًا لا تُحصَى، وطوائفَ لا تُستقصى، والَّذين أخذوا عنهم أيضًا أكثر، وهلُمَّ جرًّا. فلمَّا كانت المائة الثَّالثة، واتسع الخرق، وقل الضبط، وكان علم الكتاب والسنة أوفرَ ما كان في ذلك العصر، تصدَّى بعض الأئمة لِضَبْط ما رواه من القراءة، فكان أوَّلَ إمامٍ مُعتَبرٍ جمع القراءاتِ في كتابٍ: أبو عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم فيما أحسب خمسةً وعشرين قارئًا مع هؤلاء السَّبعة، وتُوفِّي سنة أربعٍ وعشرين ومائتين.

4.5 الوجه التاسع: هل القراءات التي يُقرأ بها في الأمصار جميع...


قال العلامة ابنُ الجزريِّ -رحمه الله تعالى-: وإنَّما أطلنا هذا الفصل؛ لِمَا بلغنا عن بعض مَن لا علم له، أنَّ القراءات الصَّحيحةَ هي الَّتي عن هؤلاء السَّبعة، أو أنَّ الأحرف السَّبعة التي أشار إليها النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- هي قراءةُ هؤلاء السَّبعة، بل غلبَ على كثيرٍ من الجُهَّال أنَّ القراءات الصَّحيحة، هي الَّتي في (الشَّاطبيّة) و(التّيسير) وأنَّها هي المشار إليها بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((أُنزل القرآن على سبعة أحرف...)) حتى إنَّ بعضهم يُطلق على ما لم يكن في هذين الكتابين، أنه شاذ، وكثير منهم يُطلق على ما لم يكن عن هؤلاء السَّبعة شاذًّا، وربَّما كان كثيرٌ ممَّا لم يكن في (الشَّاطبيَّة) و(التَّيسير) وعن غير هؤلاء السَّبعة، أصحَّ من كثير ممَّا فيهما، وإنَّما أوقع هؤلاءِ في الشُّبهة، كونهم سمعوا: ((أُنزل القُرآنُ على سبعةِ أحرُف...)) وسمعوا القراءات السبعة.
ثم قال -رحمه الله-: فأمَّا اقتصارُ أهل الأمصارٍ، في الأغلب، على نافعٍ وابن كثير وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائيِّ، فذهب إليه بعضُ المتأخِّرين اختصارًا واختيارًا، فجعله عامَّةُ الناس كالفرض المحتوم، حتَّى إذا سمِعَ ما يخالفها، خَطَّأَ أو كفَّر، وربما كانت أظهر وأشهر، ثم اقتصر مَن قلت عنايته على راويين لكلِّ إمامً منهم، فصار إذا سمع قراءةَ راوٍ عنه غيرِهما، أبطلها، ووهم كلُّ مَن قلّ نظرُه: أنَّ هذه هي المذكورة في الخبر النَّبويِّ لا غيره، وأكد وهم اللاحق السابق.

4.5 الوجه التاسع: هل القراءات التي يُقرأ بها في الأمصار جميع...


وقد تمنَّى العلامة ابن الجزري -رحمه الله- أنَّ ابن مجاهد -رحمه الله- حين اقتصر على السَّبعة، كان يتمنَّى أن ينقص عنهم أو يزيد؛ ليُزيلَ هذه الشًّبهة. وقال: القراءة المستعملة التي لا يجوز ردُّها: ما اجتمع فيها الثَّلاثة شروط، فما جمع ذلك وجب قَبوله، ولم يسع أحدًا من المسلمين رده، سواء كانت عن أحد من الأئمة السبعة المقتصر عليهم في الأغلب، أو غيرهم.